"بين أنا و أنا هي"

لِـ جان داود

   

  المسرحيّة التي يجب أن تشاهدها كلّ امرأة  

 
 

الصمت والسادومازوشيّة المغلقة.

من هنا تأتي أهمّيّة الصّراع بين القول (المُقال بضم المبم) واللاقول (اللامُقال): كانّ هذه المسرحيّة هي الكلمة التي تتجرأ وتفعل بالكلمة.  يحاول العرض ترجمة

كلّ مرة نذهب الى المسرح، نتأبّط مجموعة انتظارات للشكل والمضمون. نتقمّص صورة المشاهد المُفترض بين بقيّة المُشاهدين ننتظر أن نرى، أن نسمع، أن نفقه، أن نتفاعل، أن نندهش. وكلّ مرة ينتهي الوقت ونرى أنفسنا نتساءل عن مواضيع
 
 

فرض "الكلمة" المسرحية في إطارها المعيّن، الكلمة التي تحاول أن توجز الكثير مما لا يُقال؛ يحاول أن يُثبّت الكثير من الكلام الهارب وكأنّه يخشى الاّ يُقبَض عليه ليُسمّره مصلوبا" أمام المُشاهد. إنّه يعرض الصّمت الطويل ويخبر عن الرضوخ بالتربية وأسس التقبّل والتكيّف. إنّها المشاهدة والمعايشة غير الفعّالة. كيف التعبير عن المشاعر المجلودة والمسلوخة والمعرّاة من تعبير أو نصّ ظرفي وبأيّة وسيلة؟

لا يوفِّر هذا الخروج على القواعد أو الانزلاق عنها، والتشابك البنيوي التعبيري دورَ المشاهد وعلاقته بالعرض. ممّا لا شكّ فيه أنّه قد جرت سابقا" تجارب عديدة في هذا السياق، وما زالت عروض تحاول إلغاء الحدود بين الخشبة والصّالة،  إنّما يتبادر لذهنك من هذا العرض أنّه نواة مُكثَّفة تدعو المُشاهد الى تفجيرها، ناهيك عن الاستفزاز الدائم بالممثّلتين للمُشاهدين في حمل أحداث (شخصيّة) تندرج تحت عناوين الاستغلال والظلم والصّمت والخيبة... إنّ بنية وفحوى النَّص واستفزاز الممثلتين وحركتهما وتنقلاتهما لا تلغي الحدود فقط، بل تكرّس الصالة بكلّيتها وبمُشاهديها مكانا" فَرَضيّا"  ممكنا" لخشبة أكثر حقيقة وتجددا". يجد المُشاهد (بضم الميم) نفسه مُستفزّا" شريكا" ومتورَّطا"impliqué فيصبح شخصيّة مساهمة وإن بصمت في الفعل المسرحي والعرض. في عيون كلٍّ من المُشاهدين عالم يتحرّك... في تواصلهم وفعلهم وعبوسهم أو ابتسامهم أو اشارة واعية أو لا واعية لذات أو لرفيق المُشاهدة، يدخلون لعبة الأداء غير المُعلن.
لا يتماثل المُشاهد بالشخصيّة فقط ولا تتقاطع

 

كثيرة تدور في معظمها حول سأمنا خلال العرض وخيبتنا عند نهاية كلّ عرض.
لن أدخل في أسباب خيبتنا مَرّة (وهي غير مرتبطة فقط بنوعيّة المُشاهد _ بضم الميم _ وثقافته كما يحلو للبعض ابرازه)، ولا في تساؤلاتنا الكثيرة مرّات عدّة. ولا في اسباب فرحنا من حين لآخر، ولا في أشكال تعاستنا معظم الوقت.
كَسَرَ عرض مسرحيّة "بين أنا و أنا هي"، هذا الشعور المتكرر وهذه الخيبة. على كلّ حال هذه المسرحيّة (بين أنا و أنا هي) ليست النموذج الذي نقيس عليه، خاصّة وأنها تخرج على التصنيف وهي غير تقليدية الإنتماء. فهذا العرض يثير فضولك وانتباهك.إنه يخلط الأوراق ويطرح  على غفلة من الجمهور جملة إشكاليّات وتساؤلات تناقضيّة، صداميّة، محوريّة، حول ماهيّة العرض المسرحي وركائزه المعهودة. هذا الجديد أسوقه في أربعة محاور:
أ. ماهيّة النص، بناؤه وتركيبه
ب. التجاذب بين الكلمة والصمت من جهة والإخراج  من جهة ثانية
ج. دور العرض وتبادل المسؤوليّة مع المُشاهد
د. مضمون الطرح
لطالما كان الحوار في تراكم المَشاهد (بفتح الميم) هو الأساس في بنية النصّ المسرحي. وأعاد الانطباعيّون في أواخر القرن التاسع عشر النّظر في تسلسل التطوّر الدرامي ومفهوم الحبكة فأعطوا مشاهد مختلفة الفحوى تتالى وتنسبك لإعطاء انطباع تشاؤميّ غالبا" ما يصبّ في خانة اليأس وعدم استطاعة الانسان مقاومة الموت، وقد ساد هذا التيّار لمرحلة وجيزة.
في منتصف القرن العشرين أعاد المسرح "العبثيّ" مسألة قواعد وأسس العرض

 

***


 

مشاعره مع حالات العرض فقط. إنّما يصبح هو الشخصيّة التي عليها أن تجسّد حالته فيلتزم بالحالة ويُحاول ترجمتها ومناقشتها أو إتمامها بعد انتهاء العرض المسرحيّ.
وهكذا يصنع المُشاهدُ العرضَ من جديد بعد أن يتبناه ويتملّك منه أو يعتبر نفسه صانعه وينتظر ترجمة جديدة وتفاعلا"  آخر في الموضوع ذاته أو في نفس الاتجاه. الزخم الذي يضعه فيه النّص كأنّه ينتظر تطويره أو وضعه في مسرحيّة جديدة من تأليفه في بحثه عن مَخرَج من المآزق المتعددة التي جدلها العرض.

إنه تراكم الحكايات والنّصوص المُحتمَلة لشهادات حياتيّة، لعروض فيها من هموم المجموعة قدر يوازي همّ الكاتب والمخرج في تطوير جماليّ تقنيّ مرهف يجد فيه اللعبة عند كلّ اقتراب من ضالّته وعند كلّ افتراق.

يطرح العرض من حيث الفحوى تساؤلات تناقضيّة كثيرة: المرأة قضيّة أوّليّة. وفي لحظات يلامس طرح القضيّة إطار اللعب الطفولي... يبدو الأمر لعبة وفي إطار لَعبيّ تَطرح "شهرامرأة" قضيّتها وكأنّها منفصلة عنها. نتساءل إن القضيّة قضية كره عميق أو حُبّ مثاليّ (منها) تصعب ترجمته أو قبوله في الحياة؟ أهي الأحلام تتكسر أمام الواقع، أهو النضج أم الغباء؟ أهو الذكاء في الصمت والانتظار والصمود أمام المحن أم هو العجز في البحث عن الحلول أم في الوعي لذواتنا ولإمكانيّاتنا؟ أهو جهل المرأة لعالم الرجل أم العكس؟ هل تخبر المسرحيّة قصة انسان فرد أم مجتمع؟ أهي قصة ماضٍ أم حاضر أم مستقبل أم حالة لازمنيّة؟ هل هي علاقة امرأة مع الرّجل أم مع المرأة نظيرتها، أو مع أمّها أو ابنتها؟ إنّها أيضا" علاقة المرأة مع ابنها حيث تنسى أنّه رجل وتكرّر وتقلّد ما عانت منه.

هل مشكلة المرأة متأتّية من المرأة أم من الرجل، وقضيّة من هي؟ إنّه الحكم المسبق والمتوارث مقابل التفكير والقرار الشخصيّ.

هل استغلال المرأة مرتبط بمفاهيم عائليّة، طائفيّة أو اجتماعيّة فقط، أم أنه نتيجة وانعكاس للمارسات السياسية وللسلطة والقمع المُنمّط والسائد؟ يروي النص الرضوخ الطويل الذي يرغب في الانعتاق. اهو الدعوة الى الثورة، وأيّة ثورة؟ أهو التحرر في دخول لعبة الكلمة الفاعلة؟ في القصيدة؟ في اللعبة المسرحيّة؟ في عالم الفنّ والجمال؟ إنّها تصاعديّة المعاناة لطرحها والغائها وهل من طريقة أوسع وأجمل من جعلها قصيدة؟

نصّ
"بين أنا و أنا هي" أو "واحد لا يساوي واحد" يعجّ بالأسئلة أو يحرّك كلّ تلك الاسئلة وجوابا" واحدا": أن تعرف المرأة ان تقول لا... أن تواجه...
النّص المشهدي يعج بدوره بالأسئلة والصّور، ولا بدّ من الوقوف عند مشهدٍ مفصل يكثّف بلحظاته حلم الفتاة وتكسّر الأحلام على أرض الواقع: طرحة العروس، الوجه المُشرق، هالة القداسة... الإشراقة الجميلة تذوي، تتسلل يدها ليتحول ثوب العروس الى كفن وجدار يدفنها حيّة... هذا المشهد المفصليّ يُظهر فيه المخرج المرأة كقدّيسة ضحيّة أو كصورة حتميّة " لقدر المرأة" (بما هو شائع أو متداول)، وفي الوقت ذاته نراها عبر شهرطفل أو شهريات (كما يدعوها) تكسر القيود لتتحرر. هل هذا ممكن؟ أو أنّه مفترض أن تحاول باستمرار؟
إن محاولة الرجل (الكاتب المخرج هنا) دخول عالم المرأة لإظهاره والدّفاع عنها تحدٍّ كبير يجعل المُشاهد يسأل: وإن كانت امرأة تخبر عن قضيّتها، هل كانت لتستخدم نفس التعابير الجريئة؟ وهل يساعد ذلك المرأة في قضيّتها أم لا؟

إن العرض المسرحي
"بين أنا و أنا هي"  ِللدكتور جان داود هو تساؤل كبير وربط لتناقضات عديدة في حركة " تزحزح " الموروث وتدفع نحو تطوير مفهوم المسرح في نصّه وتقنيّاته بنقاء مع احترام الأساسيّات الصافية التي تحافظ للعرض المسرحي على خصوصيّته كفنّ وعلى المتعة التي ينتجها لدى المُشاهد.

"  بين  أنا وأنا هي " جسّدت حالة اجتماعيّة خاصة فينا، نهرب منها، لا نسمّيها، تحثّنا على القول وتسمية الأشياء والمطالبة وعدم الهروب من المواجهة، وتحمل فعلها التطهيريّ التحريضيّ في آن.
إن هذا العرض أعادني الى فرح واحتفاليّة المسرح، قدسيّته متعة شعرت بها لآخر مرّة منذ سنوات في مهرجان "أفينيون" (Avignon ) للمسرح.


د. نجاة صليبي طويل

 
المسرحيّ الى الواجهة عبر البحث عن المكامن الأساسيّة الصافية والتي لا بديل لها، فكانت المسرحيّات التي تكسر المتعارف عليه في البناء وفي أهمّيّة وتركيبة المشهد الأوّل وفي
تسلسل الأحداث وفي حواريّتها تبعا" للشخصيّات والمكان والزمان. فكانت أزمة اللغة "العاجزة" التي طرحها السورياليون في مطلع القرن العشرين. وعكست مسرحيات كثيرة في الستينات والسبعينات  (من القرن السابق : بيكيت، يونسكو، أداموف وغيرهم) أزمة تكريس شكل النص المسرحي ولغته. ولكن بالرغم من الكثير من المشاهدالساخرة والمونولوجات المتكررة

يبقى الحوار الركيزة الأساس في البناء المسرحي.
فما الجديد في نصّ وعرض داود؟ إنّه يتأرجح بين الحوار و"السرديّة". إنّه حكاية امرأة حكواتيّة تُخبر وتُخبر وتصارع نفسها. في الوقت نفسه يكثّف النص مراحل حياتيّة ويستفيض في تشريحها وفي إبراز تطوّر المشاعر والحالات الذهنيّة. إنّه سيناريو (لطالما كان هذا أسلوب داود في نصّه الشّعريّ) تستطيع عنونة اجزائه وترجمته في عدّة ظروف ومشاهد.
تستطيع اعتباره أيضا" تشظّيات متشابكة، يمكن لكلّ منها أن تشكّل عرضا" وقضيّة. يمكن لكلّ مشهد أن تكتبه حواراتٍ ومَشاهد يضع ذهنك حواراتها وكأنّه يكتبها دون حاجة ان تكون موجودة. والمَشاهد القائمة بالحركة والجسد تأتي وكأنّك تعيد كتابة حواراتها... بعض الحوارات حَذفيّة، إضماريّة، إيجاز     (ellyptique) تأتي وكأنّك تعيد كتابتها، يتكثّف مشهد في عبارة، في جملة أو مفردة... قوّة النص أن المفردة أحيانا" أو العبارة، تختصر مَشهدا" ومجموع الحوارات مع شخصيّات حاضرة بقوّة في تغييبها، حاضرة في مفردة ( "لا" / "نعم" /...) او في عبارة ( "كوني امرأة قبل أن تكوني أمّي"). يمكن اعتباره (النص) "سكريبت" تفجّره وتوسّعه في أجزاء، إنّما عليك أوّلا" محاولة تحديد الغرض انطلاقا" من هذا الإيجاز. أهو يتناول حياة خاصّة لامرأة، أم أنه قضيّة المرأة عامة"، وبمنظار من؟ ربّما من هنا يأتي الشّعور بالتشعُّب و"بالرَّص" السريع من جهة وبالإيجاز من جهة ثانية. إنّه مكثّف بشدّة     intense  ومليئ ويُشعرك بحاجة الى مزيد.

كأنها إغفالات مقصودة يرتمي فيها كل مُشاهد، يملؤها بتجربته وبحسب ثقافته ومجتمعه وخبرته ورضوخه أو نقمته. الى حانب ذلك أيضا"، يطرح العرض بصورة حادّة مسنونة مسألة تجاذب الكلمة والصّمت التي تبطّن مسألة الأولويّة بين النص والأداء التمثيليّ المرتبط طبعا" بالإخراج. تفوح الكلمات، تصطف، تتوالد، تتتابع دون زمان ولا مكان محددين، وكأنّها تلفظ أحشاء النساء من غابر الزمان وعمق الأمكنة. تلغي الكلمات الكوريغرافيا وتتخطى حدود الشخصيّات المرتبطة بها (بصورة خاصّة في بداية العرض). كلمات وكلمات ترسم عالما" داخليّا" يُطبق على العالم الخارجي ويملأ مكانه لاغيا" ظروفه الزمانيّة والمكانيّة. تصبح المعاناة العامّة أُطرها وأسسها التي هي طبعا" مختلفة عن المعهودة.
يتجاذب الكلمة (تحديد المكان والزمان) الحركة والجسد، يودّان السيطرة عليها والخروج من نطاق اللعبة المعرفيّة، بينما يقبض الإخراج عليها ليُطوّعها في الحركة والتمثيل. ينقضّ عليها ويحاول إلغاءها والحلول مكانها بفرض الصمت... مشاهد (صامتة) تغيب عنها الكلمة، تتحدّى الكلمات بصداها وبالتواصل. يبنى الصراع بالكلمة واللاكلمة من جهة وبالحركة من واللإخراج من جهة. أحيانا" تقوى الكلمة على سواها وأحيانا" تقوى الحركة والجسد ليكون غياب الكلمة أقوى من الكلمة. يتخطّى غيابُ الكلمة اللغةَ ويصبح أكثر تعبيرا" ونقاوة وأكثر صراخا" وضجيجا" فتكون اللغةُ مجددا" أمام رهان جديد وصراع جديد لمشهد جديد. هذه اللعبة بين الكلمة واللاكلمة والصمت، تحكي وتبني عوالم منفردة وحيدة تعيش وتتغذّى من ذواتها، من عزلتها، من خيبتها، من رضوخها أو نقمتها دون محاولة التقرّب من الآخر. إنّه "تابو" الكلمة  الذي نعاني منه في الشرق. نخاف الكلمة ونقمعها. لا نسمّي ما نريد نكرانه أو مواراته. نوارب، نبتسم، "نستفرغ" (كما تقول "شهرامرأة" شخصيّة المسرحيّة)، نكره، نخضع ولا نتكلم: لا تناقش ولا تخبر, إنّها المكابرة وعزّة النفس، الى حانب الخوف من العنف والشعور باللاجدوى، دائرة