بين أنا وأنا هي...

انهار ضياء في عتمتنا وتوق الى الحرية والمساواة

 
     
     
د. ربى سابا حبيب  _ الاثنين 19 شباط 2007
     
 

أجمل وأهم ما يحدث لنا، لي كأستاذة أدب ان ألتقي بمبدعين: هم أناس باحساس رهيف بمعاناة حقة ورؤيا في تخط دائم. تراهم يدأبون في تعيين الرموز، في تدفق الخلق، في تهيئة الأرض الجديدة - كي تطلع الشمس يحول جان داود الحدس الى حالة، والصورة التي يهدينا اياها الى ثورة - يعلو فيها الرّمز الى الجهر كي يتدفق النشيد، أكاد أقول النشيج (إراديّ ربما أم لا واعي). يدعو الى الفطرة والبدائية الأولى في ظل شجرة الحب ومطاردة الروح، وطرد العنف، عنف الرجل. كشاعر يكتب، بعصبية يكتب، بنزف، بصدق، بحرية يكتب بذكاء وإرادة جَهَر على لسان امرأة هي امرأتان، هي واحدة: هي أنا وأنا هي، هي أنت، هي نحن اللواتي أو تلك، المشار اليها هذه وهاتان إياك مكررة ومعطوفة، والكاف الإسمية مكسورة في خطاب المؤنثة. فنقول: ذلك الرجل يا امرأة وتلكما المرأة يا رجلان... أقول رجل يكتب بصبغة المؤنث، أين? في لبنان، في صميم الشرق، حيث على الرجل أن يطلع كلّ صباح كالنسر، (كما يصفه نجيب محفوظ) في الثلاثية... عليه أن يفتل شاربيه، أن يطقطق بمسبحته كي يغفر الله عنه، عن شهوته، عن ميله نحو المرأة (أين التفاعل?). لانه كما قال نزار قباني منذ أربعين سنة: (ثوري أحبك أن تثوري/وتُحطِّمي شرق التكايا والبخور/ثوري على شرق/لا يراك إلا وليمة فوق السرير) مسرحية (بين أنا وأنا هي) أتت بكتابة لم اقرأ مثلها لرجل عن المرأة وقضيتها ومعضلات مشاكل الجنس في هذا الشرق، أقول لم أقرأ لرجل عن المرأة في الأدب العربي منذ عصر النهضة، أي منذ ولي الدين يكن أو المعلم بطرس البستاني وفي زمننا الحاضر نزار قباني، جوزف صايغ وأنسي الحاج (ولكن هؤلاء الثلاثة كتبوا ومجدوا المرأة في الغزل، الحب).

غير أن جان داود يتقدم عليهم في نوعية النشيد - النشيج إذ ان العمل الفني يُسخَّر لقضية المرأة، إذ يتماهي بها في لعبة يحصل فيها التفاعل مع الوحدة بين القول والفعل، أي بين اللوغوس Le Verbe و(البراكسيس) (Praxis) اي الفعل، وكيف به في العمل الفني بين الحقيقي والجميل، لذا لا يكون جسداً فقط او روحاً حرة فقط بل الإثنين معاً: (تشرف الشمس من روحي، أرضي أنبياء، أرضي محبة ورقص، على شاطئ الحياة... ذاك في ذاكرتي في أحشائي، في عنقي، في صدري، بات في روحي، في جثتي ايضاً..).

نعم يريد جان داود تحرير كلّ ما كان عند المرأة من صمت، خضوع، استسلام مع قرف تاريخي (خطير أن يدخل في لعبة القرف من الآخر: المفروض ان يكون الحبيب أي الحنون أي المتلهف لها، لا لجسدها فقط، لها ككل ككائن مستقل، كفكر، كروح... لذا أراد جان داود أن يتآلف النظري والعملي، لأن الفن هو الفعالية العليا للأنا.

هذه تارة تكون غير واعية كالطبيعة، وطوراً واعية كالفكر. هذا الفن أرفع من كل فلسفة من كل فكر لأنه يمثل ويشخّص المطلق في المثال، أي ما هو قائم وسائد، الى ما يجب ان يكون بتقديم هكذا نص يدعو للعودة الى الشعور الى الحنان الى الأخلاق.

تتبدى هنا الجماليّة خميرة المجتمع إذ أن العقل، العصب، الرؤيا الفنية تضافرت معاً كي تتصرف بالأشكال التي هي عناصر النشاط الفني.

يُسخّر ويربط الفن بالإنسان أيّ أن هذا الأخير سيد الفن في جمالية وصرخة الممثلتين مع صرخة المشاهد: لأنّ جان داود يتعاطى مع الفن او مع الجمالية بفلسفة، اتجرأ ان اقول انها (اي المسرحية) تتواصل فكرياً وأدبياً مع التيارات الفلسفية كرومانسية روسّو، وشيلينغ وشوبنهور.

وربما نتطرق الى تأثير برغسون بتمجيد الغريزة الحية للحدس، لأن الفن عند برغسون هو تعويض عقلي عن الغريزة والحقيقة (هنا حقيقة مرّة)، تطورٌ خالق يجب أن يبحث عن القوة الخالقة الحياتية وأن يمثلها بقوة الخلق الفني... تجتمع في هذا العمل الفني الذاتية بالموضوعية - فالنص في بعده النقدي يطلق الحقيقة بالولوج بها من الصورة الى المعنى.

هذا العمل يعبّر عن شخصية المبدع كما في لوحة فان غوغ وهو مقطوع الأذن، لم تكن تمثل وجهة بل كانت تمثل معناه - غرنيكا Guermika لبيكاسو، أراد بها تمثيل رد فعل الإعتداء الوحشي على سكان غرنيكا الآمنين.

قدرة هذا العمل تكمن في الإنتقال من الفن الوظيفي - الى الفن الإبداعي بواسطة الحركة السياحية الديناميكية: تارة صمت، طوراً حركة، سرعة مع ركض، سقوط، ابتهال، تقوقع... وحدة، ثم انفصال عنيف - في جدلية الأنا والشخصية (ص 11 و14).

قرأت هذا النص، رأيت هذه التمثيلية، قادتني القراءة كما المشاهدة الى رغبة في القول، في التحليل ربما، أجبرني لا دعاني جان داود ان أدخل في عالمه الذي هو عالمي أي (الرفض لكل ما يحصل خارج الروحانية: (كل ما يحصل خارج الروحانية يصبح استغلالاً).

ربما هذه هي الفكرة الأساس: أعبر مريضة صور الأقلام حلّت مكان الحياة، الجنس البشع حلّ مكان المقدس (ص 15).

يجب ربط المقدس بغير المقدس (أي ربط Le profane avec le sacrہ)، حين تصرخ ضد هذا العنف الروحي، كم أنا معك لأنك تفهم المرأة في صمتها في خنوعها، في شراسة الحياة حولها، في خوفها العريق، آه من الخوف، أحكي لك حكايات طوال عن العذابات، عن الخوف على الحب، على الأهل، على الوطن وخاصة على الأولاد: بناتاً وأبناء. من يعينها في وحدتها حين المساء جدران.

إنها (أي المرأة) تقبع، تطهو، تسنِد، تصلي، تصبر على الجراح، وهو يقرأ، يعمل، يتسلّى، لأنه مكتسب كلّ الحقوق بذكورته، ليس عليه أن يحقق الكثير لأنه حقق كل شيء بذكورته. هي تسهر تعرف كيف تلبس أقنعة السعادة حين تخرج الى الناس، الى العالم... كيف تتفوق دوماً على الذات، وكيف تتمايل أمام العيون الفارغة نحو الرجل الذي هو الزمن، هو الفضاء... (ص 15، 18).

ارجع الى المرأة في لبنان وخاصة الشابة اليوم، أتساءل كيف تتربى على نوع من العفة، على الخوف من الرجل، وكيف حين تتزوج وفي بعض الأحيان في سن مبكرة، عليها أن تتحوّل الى غانية محظية للرجل - انظروا الى الجهاز - جهاز العروس. من أقاصي قرى لبنان تأتي الى المدينة وتبتاع مع أمها أو نسيبتها الملابس الداخلية لإغرائه، لإغوائه، كل هذا للذة الرجل. عليها أن تسعده كي تبقى معه... كي تظل. كل هذا بمباركة الأهل، آه من الأهل الذين يسكتون اليوم عن بناتهم اللواتي تذهبن الى الخليج، الى الإمارات، نحو رجال يحجّبون نساءهم ويعتدون على فتياتنا اللواتي تدافعن باللحم الطري عن الاقتصاد الوطني، العائلي.

أخيراً هذه كتابة تنتمي بنظري الى مدرسة أفلاطون وأرسطو، بمعنى انها تعيننا على فهم العالم، تضيف أيها الصديق الروحانية كما الرواقيين (Les stoiciens)، والأخلاق ضد تلك الفحولة التي تسميها بطرافة خطرة (عقله الوحيد) (ص 25).

اكثر من ذلك أنت تفهم العالم الذي تجمّله بالأخلاق وتطمح بتغيير العالم كما ماركس Marx.

لن أنهي هذه المداخلة دون التطرق الى المناحي اللغوية (الألسنية): فحين يتدفق الكلام في عملية تكثيف إراديّ بغية إلقاء الضوء على كنه المعضلة أو المسألة، يتدفق السؤال كما الكلم: (هل أغتصبك أحد?) وكأنه يحرر اللغة ويحرر المعنى بالجواب الذي يأتينا دوماً من مواد الرفض والثورة: (لا! لا...).

لأنك راقبت العالم، توصّلت بواسطة الكتابة واللعبة المسرحية ان تبقينا في اليقظة. فأنت القافي الذي يحكم ويدين الرجل، وأنا المتلقي أدافع عن الرجل الذي هو ابن بيئته، ابن مجتمعه، ابن تربيته، ابن أمه التي ربته على الرجولة: والرجولة أي الفحولة هي الإغتصاب.

أتطلّع حولي وأتساءل عن المرأة التي ليست حرّة، المرأة المقهورة، إمرأة الظل، امرأة الصمت والخضوع، لا يمكنها أن تربي ولداً حراً، او عادلاً او صاحب نظرة ديمقراطية تجاه المرأة أتساءل كيف هكذا رجل يبني أو يحرر وطناً? كيف هكذا امرأة مقهورة تحرر المجتمع وأولادها?

هنيئاً لنا بك، تطرح هكذا جمالية ذكية. هنيئاً للمرأة بكَ، للنص، للخشبة، لطلابك، يحملون الى الأبد رفضك، ثورتك على الأسود مما هو قائم، رؤاك وتوقك للحرية والمساواة ومطاردة الروح.

جان، هنيئاً تتخطى حدود الشكل الى التواصل نحو الجوهر الغامض، ترمي الكلام شلالات، أنهار ضياء في عتمتنا.

 

 
     
     
 

** حول مسرحية (بين أنا وانا هي) للدكتور جان ج. داود

 
www.amanjordan.org