20 نيسان 2020

كتاب مفتوح الى الجميع

أهل السلطة، الحراك -الانتفاضة، النقابات، الفاعليات المختلفة، المجتمع المدني بكامل منتدياته، وإلى كل معني ويهمّه أمر الوطن،

أؤمن وأعمل من منطلق أن كل مواطن شريك في الرأي والتخطيط والمسؤولية والمساءلة، وهذا واجب وحق بموجب روح العقد الاجتماعي. ومن خارج الممارسات المتداولة، طرحتُ على المعنيين إشراك المواطنين في عملية النهوض في كل المجالات التي تسببت بأن يكون لبنان في المأزق الاقتصادي الذي هو فيه، أو التي تساهم في إعادة بناء اقتصاده: الكهرباء، النفايات، الماء، الطرقات، استخراج النفط... والطرح بسيط وبمنتهى الفاعليّة: يتولى اللبنانيون بأنفسهم تمويل المشاريع والإنماء والتنفيذ والرقابة بما يسمح بوقف الهدر ومنع مراكمة الديون وتعزيز الدورة الاقتصادية الداخلية وحمايتها. وأقدّم نموذجاً عن المقترح في مسألة ملحّة: إقامة معامل إنتاج الطاقة الكهربائية أو معامل الكهرباء.

لو افترضنا أن بناء معامل الكهرباء في لبنان يحتاج إلى ملياري دولار.

1- تقوم الدولة بإنشاء شركة مساهمة لمدة عشرين سنة، رأسمالها ملياري دولار.

2- يكون سعر السهم الواحد مائة دولار أميركي (أقل كلفة بخمس مرات مما دفعناه لشراء خط الخليوي عند التأسيس في التسعينيات).

3- يكون مقدار أسهم الشركة عشرين مليون سهم.

4- يُحدّد عدد الأسهم التي يمكن شراؤها من الراغبين في أن يكونوا مساهمين بمائة سهم كحد أقصى لكل مساهم، وسهماً واحداً كحد أدنى. (تجدر الملاحظة أن عدد الأسهم الذي تتاح ملكيته مرن ويرتبط بفلسفة الشراكة).

5- في حال كان المعدل الوسطي لعدد الأسهم التي يشتريها الفرد الواحد أربعين سهماً، يكفي أن يشارك خمسمائة ألف مساهم لتمويل المشروع.

(500000 × 40× 100 = 2000000000)

حتى إن أرادت الدولة أن يُدفع ثمن الأسهم نقداً (وذلك مستحسن نظراً للحاجة إلى العملة الصعبة لتأمين المعدات من الخارج) وليس من الحسابات المتراكمة في المصارف، فاللبنانيون (في الداخل وبلاد الانتشار) على استعداد للشراكة لأنّهم يريدون وطناً بكل مقومات الحياة، ويريدون إنهاء الهدر. كما أنّ المشروع سيوفر للمساهمين مداخيلاً على مدى عشرين سنة. ويكونون شركاء معنوياً ومادياً، وشراكتهم تساهم في حماية أرباح الكهرباء من الذهاب إلى الخارج. دراسة الجدوى ستؤكد سلامة طرحي. والمشروع مرن في التفاصيل، ويمكن للقوانين التي ستشرّع له أن تحفّز على الإقبال عليه. المهم عدم التأخر في المبادرة. طرحتُ معامل الكهرباء كنموذج لخطة كل مواطن شريك في التنمية والاقتصاد. وهي نموذج يمكننا اعتماده في مجالات النفط، والغاز، والمياه، ومسألة النفايات، إلخ... فنكون أمام شراكات مساهمة للمواطنين (وليس بالضرورة شركة) لبناء معامل الكهرباء وتوليدها، وعلى غرارها "شراكة" المواطنين المساهمين لتدوير النفايات واستثمارها، ألخ. سنكون بذلك أمام نظام "بي، أو، تي" داخلي، فيه المواطن مموّل ومستثمر لعشرين سنة، وتعود بعد ذلك الملكية كاملة إلى الدولة.

المشروع متماسك، والجدوى منه مؤكدة. سيدرك ذلك مَن في السلطة وخارجها إن انكبوا على دراسته في خلفياته وتطلعاته وعملانيته ومرونته وانسجامه مع أسس الديمقراطية والعقد الاجتماعي. المشروع المقترح نموذجي لحل مشكلة الهدر في الكهرباء، والانتقال بالتالي إلى اعتماد مثيله في مسألة إقامة معامل لتدوير ومعالجة النفايات، ومساهمات مماثلة في استخراج النفط، ومسألة الماء، وشبكات الطرق، وتحديث البنى التحتية. ولن يكون عليّ إقناع المنتفضين بجدوى المشروع، أو بكونه يُبعد عنا نزيفاً اقتصادياً غير منظور في حال الذهاب إلى الاستدانة والتنفيذ عن طريق: "بي، أو تي" خارجي، فهم مدركون بالقوة للأهمية والفاعلية. ولن يكون عليّ أن أثبت أنّه الحلّ الأفضل منعاً لاستدانة وقروض جديدة. وهو برأيي مدخل آمن وضامن لاستقلاليتنا كدولة. فلا مصلحة للبنان في استدانة لتنفيذ المشاريع. ولا مصلحة حتى في تنفيذ مشاريع عن طريق "بي أو تي" من الخارج يستثمر بصمت داخل اقتصادنا. ومن منطلق سيادي أقول أن لا مصلحة حتى في قبول أيّة هبات قد تكون في الكواليس أكثر تكلفة من الاستدانة المرفوضة. إنّ الخلاص والخروج من المأزق، يبدأ من الداخل ولا يستمر إلا بالتضامن في الداخل.

لذا على الحكومة اليوم أن تبادر بسرعة، وقبل أن ندخل في المحظور. وعليها أن تستعيد ثقة المواطنين. ولا يهم المواطن الموجوع أن تكون الحكومة من هذا الطرف أو ذاك، أو من هذه الجهة أو تلك، إنّما يهمّه أن ينتهي هذا الكابوس الذي يسرق منه الحياة وفرحها وكرامتها. وانتهاء الكابوس يتم عندما تعمل الحكومة بمنهجية علمية وصدق وشفافية وباستقلالية عن كل مرجعية إلا مرجعية الخير العام. بذلك تستعيد الحكومة ثقة الناس. المشكلة الكبرى اليوم هي في فقدان الثقة. والألعاب الحاصلة من العابثين بمصير الناس والوطن استهدفت وتستهدف بشكل رئيس الثقة التي فقدت بين الأطراف: بين الحكومة والشعب، وبين الحكومة والمجتمع الدولي، وبين الناس والسلطات، وبين الناس والمصرف، ألخ.... لذا أولوية الأولويات للحكومة هي أن تستعيد ثقة الناس بأسرع ما يمكن. وسبل استعادة الثقة بسيطة وواضحة: العمل باستقلالية كاملة عن قوى الأمر الواقع في الداخل والخارج، إثبات وقف الهدر، القيام بخطوات جدية لاستعادة المال المسلوب، الشفافية في مختلف الوزارات وفي كل الأعمال المالية، المباشرة بخطة إقصاء الفاسدين عن القطاع العام والمؤسسات العامة، ضبط الأداء الشفاف في القضاء وتسريع مسائل البت بالدعاوى، وضع خطط عمل مبدعة لإعادة دورة الإنتاج الداخلي، وقف التعاقد بالتراضي وجعل جلسات فض العروض علنية تنقل عبر شاشات التلفزة، نشر إلكتروني فصلي وبالتفاصيل لكل الإنفاق العام وللإنفاق داخل الوزارات. إخراج المؤسسات العامة من سباتها وإعادتها إلى دورها الطليعي خاصة في مجالات الصحة والثقافة والتربية. ونعرف جميعاً أن الحكومة اليوم بين نيران تستهدفها بصمت، وستكون غداً علانية بين تلك النيران المتعدّدة: المنتفضون الأنقياء والشعب الموجوع من جهة، ومستغلو الأنقياء ووجع الشعب الراغبين في الإمساك بالسلطة من جهة، واللاعبون العابثون ببعض الأطراف من جهة.

لذا، وجب ومن دون أي تأخير تكليف فريق من الأنقياء المستقلين تمام الاستقلال، ليعمل بشفافية ويبيّن بشكل أسبوعي ما الذي قام به من أجل استعادة المال المسلوب. على الأقل فلتبدأ التحقيقات في أمر هذا المال. ولأن الوضع لا يسمح بانتظار النتائج للبناء عليها، وجب أن تكون مبادرات سريعة تُفضي إلى عكس حركة التحويلات المالية في اتجاه لبنان. موازاة إلى الأعمال البعيدة والمتوسطة المدى تلك، يجب التصدي للاستغلال الحاصل للوضع على مستوى صرف الدولار، وعلى مستوى غلاء الأسعار، وعلى مستوى الأعمال اليومية التي يجب أن تقوم بها كل وزارة. ويجب أن تكون هناك بيانات يومية للأنشطة التي قامت بها تلك الوزارات. وتجربة وزارة الصحة في الواقع اليومي لكورونا ناجحة وعلمية الطابع وتتسم بشفافية ومنهجية عمل في عرض الواقع الميداني (بغض النظرعن هوامش الخطأ المحتملة).

تساهم في تسهيل إعادة برمجة الديون مصداقية الحكومة وجديتها إن تثبت للعالم أنّها تعمل باستقلالية في الرؤية للخروج من المأزق الاقتصادي، وإعادة النهوض، ولعب دور إيجابي في تحفيز دورة الاقتصاد الداخلية والعمل على تأمين اكتفاء ذاتي في أقصى حدود الممكن احترازاً من مجهول آتٍ عبر زراعة رشيدة لا تترك أراضٍ من دون استثمار، وعبر صناعات صغيرة وكبيرة معدّة للتسويق الخارجي فتسهم في خدمة الاقتصاد اللبناني والعالمي حيث يمكن. وفي خطة استباقية وجب على وزارة الزراعة أن تستثمر حتى المشاعات في زراعات تسمح بدرء الغلاء والمجاعة. وكما أثبت اللبنانيون حيث هُم التزاماً راقياً في المساهمة في مقاومة الجائحة (طبيبات وأطباء وصيادلة وممرضات وممرضون وسواهم في أوروبا وسواها، ومنهم من سقطوا ضحايا الجائحة)، فهم قادرون على تحقيق اكتفاء ذاتي يدرأ خطر المجاعة. وهم قادرون على الالتزام بخدمة اقتصادهم والتحقيق عبره لتكامل اقتصادي مع العالم، وتثبيت أهلية لبنان ليستمر مستشفى الشرق ومدرسته وجامعته ومنبر إبداعاته.

تكسب الحكومة ثقة الناس والثقة الدولية عندما توقف الهدر والسّبل إلى ذلك معروفة وبسيطة والظروف مؤاتية. وعليها أن تضع القوانين وتؤمن السبل التي تسمح باستعادة وإعادة الثقة بالمصارف، فتشرّع مع مجلس النواب لحماية الودائع مهما علت قيمتها، وتُحفّز حركة معكوسة للتحويلات التي حصلت إلى الخارج، والمُحفّزات الممكنة كثيرة؛ منها القانوني، ومنها الإنتاجي عبر العمل على إعادة دورة الحياة والإنتاج بما يحترم المعايير العالمية على مستوى الجودة.

النقلة النوعية والمفصلية في أداء الحكومة والتزامها باسترايتجية كلّ مواطن شريك في الإنماء والنهوض الاقتصادي. يجب أن تواكبها نقلة نوعية مرجوة تغيّر في مقاربة الناس وعملهم. فيكون كل مواطن مسؤول وشريك في المسؤولية. أخرُجوا أيها الناس من تلك اللامبالاة حيال العام، وقدِّموا العام على الخاص فتنقذوا الخاص وتحموه. وإن استمرّت الدولة مقصّرة فلنبن عقدنا الاجتماعي ولنحمه بأداء ومواطنة مسؤولة. وبدلاً من الحراك الذي يكتفي بالمطالبة فلتنعقد حلقات عمل لقضاة ومحامين ونقيم نماذج شراكات لتفيذ المشاريع العامة، ونتقدّم بها لفرض تشريعها. وأدعو هنا أصدقائي من القضاة والمحامين لطرح قوانين وأنظمة داخلية لشركات نأخذ بها المبادرة في إعادة النهوض ومنها "شراكة المواطنين لبناء معامل وتوليد الكهرباء وتوزيعها". شراكتنا تبدأ بالالتزام الأخلاقي، والقيمي، كل فرد حيث هو في تحمّله لمسؤولياته، في عائلته أو حقله أو مدرسته أو قريته أو مشفاه أو مؤسسته أو جامعته أو أيّ موقع مسؤؤليّة. وكل فرد حيث هو كحامٍ لمصالح الخير العام ورافضٍ للاستغلال. في الحين نفسه لنرصد المتلاعبين بالأسعار، ولنقاطعهم، إنّهم فاسدون بدورهم. لنعمل على التكامل الاقتصادي والاجتماعي. الخلاص في التضامن وتقديم الخير العام، والخروج من ثقافة الاستهلاك والمزايدة فيها. إنّ للإعلاميين والفنانين الأحرار وللمربين الأنقياء، وللمشرعين الأصفياء دور رئيس في كل ذلك. سيبقى في أولوياتنا احترام الحرية الفردية، واحترام الاقتصاد الحر، إنّما بما لا يُفضي إلى خصخصة القطاع العام. خصخصة القطاع العام وبيع أملاك الدولة في لبنان أو سواه من دول تعني نهاية العقد الاجتماعي العادل ودخول زمن العبودية الجديدة والموت المبكر والمحتّم. وما خلاص العالم إلا في صحّة كاملة لكل من جزئيّاته في إطارعولمة إنسانية الطابع ومقاومة إنسانية ننطلق بها وتحميها الدولة بقطاعاتها العامة. استعيدوا معي العالم من براثن الوحش. أللهم إشهد أنّي بلّغت: استعيدوا العالم من براثن الوحش. (كتابي المفتوح هذا موجّه إلى أهل السلطة، إلى الحراك -الانتفاضة، إلى النقابات، إلى المجتمع المدني بكامل منتدياته، وإلى كل معني ويهمّه أمر الوطن).

 

       العميد البروفسور جان داود

 

Website Created & Hosted with Doteasy Web Hosting Canada