14 نيسان 2020

حلقات متداخلة ومتكاملة للإنقاذ وكل مواطن شريك في التنمية المستدامة النهوض:

هذا هو العنوان لنجاح الحكومة في مهماتها

إنّ خسائر الاقتصاد العالمي بسبب جائحة كوفيد 19 هي تريليونات من الدولارات خلال أقل من ثلاثة أشهر. وعلى العالم أن يواجه هذا التراجع ويتعامل معه بما يسمح بالنهوض مجدداً، والأمر ليس بالعسير. إلا أنّ العالم بفلاسفته ومفكريه وفنانيه ورجال العلم والتربية والاجتماع وكل شرائحه مدعو إلى وضع عقد اجتماعي عالمي جديد يقدّم القِيَم ويُخرِج من المادية المتوحشة. وإلا، كلّما نما الوحش المادي في العالم تذهبون إلى موت جديد وجائحات آتيات. ويبدو اليوم أحد المداخل إلى مسألة التضامن الدولي مسألة التعامل مع ديون الدول. من دون مقدّمات ولا تبريرات، أجزم أن على العالم اليوم أن يكون أكثر تضامناً في مسألة ديون الدول، فيؤجّل التسديد حيث هناك معوّقات في التسديد، مع السماح بالتحقق من صحة العوائق وتبعاتها. وإن كانت الديون متراكمة بسبب فساد فلتُفتح الأبواب أمام تحقيقات تُظهر الفاسدين والسارقين، فلا تدفع الأثمانَ الشعوب المحكومة بالفساد. تجدر الإشارة إلى أن أغلب الحكام الفاسدين في مواقعهم بدعم خارجي ضد إرادة الشعوب المفقرة. ولبنان بلدي معني بهذه المسألة، وديونه ونهوضه هما موضوع مقالتي هذه.

إنّ ديون لبنان تقارب المائة مليار دولار. ومن دون شك، على لبنان أن يسدّد هذه الديون من وجهة نظر أخلاقية. وأذهب إلى القول: من وجهة نظر قيمية وسيادية يجب ألا نطلب شطب هذه الديون خشية المقابل المُبيّت. من منطلق قيَمي أيضاً، لا بد للدائنين من التعامل مع ديون لبنان من منطلق المعطيات المستجدة عالمياً. فديون لبنان مبلغ زهيد في ميزان الاقتصاد العالمي المتعثّر (وهي تقارب على سبيل المثل خسائر واحدة من الشركات في بعض الدول، أذكر على سبيل المثل: خسائر شركة لوفتهانزا الألمانية لسنة 2020 بسبب كوفيد 19)، والضغط على لبنان من أجل تسديد ديونه اليوم أو غداً لن يحل مشكلة الركود غير المسبوق. نعم، تسديد الديون واجب، وعلينا أخلاقياً أن نسدد. ولكن، ومن جانب قيمي وأخلاقي أيضاً، ليس هناك ما يمنع من قبول تسديد هذه الديون بتساهل لجهة الوقت وتخفيض الفوائد أو المسامحة بالفوائد. فلتتم برمجة سداد الديون على خمسة عشر عاماً بوتيرة تصاعدية. أو لتكن فترة سماح لثلاث سنوات مثلاً ويتمّ تسديد الديون على عشر تليها. الأفكار بهذا الشأن متعدّدة وتحسم مسارها المعطيات المالية الدقيقة. وكثيرة كثيرة هي الحلول التي لا تثقل كاهل المواطن والمودع وتفي بالعهود تجاه الجهات الدائنة. إنّه وقت مؤات (مع جائحة كوفيد 19 وما يمرّ به العالم) للنقاش في حلول متفهّمة وعادلة بشأن تسديد الديون، بحضور لروح العدالة والتسامح في آن. موازاة ومن منظار العدالة، ومن منطلق قيمي وأخلاقي وقانوني، يجب العمل داخلياً وخارجيّاً وديبلوماسياً على استعادة المال المنهوب قبل أن يُصادَر حيث هو. استعادة المال المسلوب من المسلّمات المحسومة ويجب أن تكون من أولويات الحكومة في مسألة الإنقاذ وإعادة الحياة. ومن المرجّح أن هذه الاستعادة ستخضع لاعتبارات سياسية محلية ودولية، والكلام فيها يطول. لذا، ومنعاً من انتظار غودو، وكي لا توضع العربة أمام الحصان، وجب ومن دون أي تأخير تكليف فريق من الأنقياء المستقلين تمام الاستقلال يعمل بإشراف مباشر للحكومة ويجعل استعادة المال المسلوب شغله الشاغل ويضع الخطط، ويتابع إلى أن تثمر الجهود، ولتنصرف الحكومة إلى مسارات تسمح بالنهوض السريع.

يساهم في تسهيل إعادة برمجة الديون مصداقية الحكومة وجديتها إن تثبت للعالم أنّها تخطط باستقلالية في الرؤية للخروج من المأزق الاقتصادي، وإعادة النهوض، ولعب دور إيجابي في الاقتصاد العالمي. وكما نجحت في التعامل مع الجائحة الوبائية، وعاد لبنان ليثبت نجاح نظامه الاستشفائي والصحي، وحضوره كمنبر إبداعي في ابتكار الحلول، وحامياً باعتزاز لمواطنيه ملتزماً بقيمة الإنسان (إعادة المغتربين الراغبين)، وكما أثبت اللبنانيون حيث هم التزاماً راقياً في المساهمة في مقاومة الجائحة (طبيبات وأطباء وصيادلة وممرضات وممرضون وسواهم في أوروبا وسواها، ومنهم من سقطوا ضحايا الجائحة)، فهم قادرون على الالتزام بخدمة اقتصادهم والتحقيق عبره لتكامل اقتصادي مع العالم، وتثبيت أهلية لبنان للاستمرار مستشفى الشرق ومدرسته وجامعته ومنبر إبداعاته.

تكسب الحكومة الثقة الدولية عندما توقف الهدر والسبل إلى ذلك معروفة وبسيطة والظروف مؤاتية. وتكسب الحكومة الثقة الداخلية والدولية في استراتيجية عمل تسمح باستعادة وإعادة الثقة بالمصارف، فتشرّع مع مجلس النواب لحماية الودائع مهما علت قيمتها، وتُحفّز حركة معكوسة للتحويلات التي حصلت إلى الخارج، والمُحفّزات لذلك كثيرة منها القانوني، ومنها الإنتاجي عبر العمل على إعادة دورة الحياة والانتاج بما يحترم المعايير العالمية على مستوى الجودة. أمّا النقلة النوعية والمفصلية في أداء الحكومة فتكون عبر تفكير من خارج العلبة والمعلّب. وإن من ضرورة لعودة إلى علبة فلنعد إلى قيمنا اللبنانية:العونة. ولننطلق بمشاريع يكون فيها كل مواطن شريك في الإنماء والنهوض الاقتصادي.

أتمنى على الحكومة من أجل نقلة نوعية على أكثر من مستوى تبني مبدأ كل مواطن شريك في التنمية المستدامة بأشكالها. والشراكة هذه تبدأ بالالتزام الأخلاقي، والقيمي، كما تكون بالمواطنة الملتزمة من قبل كل فرد حيث هو، في عائلته أو مدرسته أو قريته أو مؤسسته أو جامعته أو موقع مسؤؤليّة. كما نقترح على الدولة أن تنتقل إلى مشاريع يكون فيها المواطن مساهماً وشريكاً. وتكون الشراكة اختيارية من قبل المواطنين، بما يحترم الحرية الفردية ، وبما يحترم الاقتصاد الحر، وبحذرٍ لا يفضي إلى الخصخصة. بهذا المسار سيكون للدولة فائض مالي، ووفر في ميزان الخارج والداخل من المال في البلد. فأقيموا شركات شفافة تحمي المساهمين اليوم وغدا، وتسمح لهم بالإفادة العادلة والمشروعة، ومن دون نفخيخ، وذلك في كل مجال استثماري إنمائي: الكهرباء، الماء، النفايات، النفط، ألخ.

لا نريد من هذا الطرح أن يخالف مبدءاُ أساسياً نؤمن به: الحفاظ على مؤسسات الدولة والقطاع العام، وقد برزت أهميّة هذا القطاع مجددا مع جائحة وباء 2020 (كوفيد 19). ولا مفر لشعوب العالم من نظام صحي واحتماعي تمسك بمقدراته ومفاصله الدولة في نظام اقتصادي حر شفاف وعادل. لذلك في طرحنا لنظام "بي أو تي" داخلي حيث كل مواطن شريك، يكون المواطنون شركاء لعقدين في المشروع موضوع ال"بي، أو،تي"، وتعود بعدها ملكية المشاريع العامّة الطابع كاملة إلى الدولة. وأعطي نموذجا لمسار المشاريع المقترحة مسألة الكهرباء.

لنفترض أن بناء معامل الكهرباء في لبنان يحتاج إلى ملياري دولار.

1- تقوم الدولة بإنشاء شركة مساهمة لمدة عشرين سنة، رأسمالها ملياري دولار.

2- ليكن سعر السهم الواحد مائة دولار أميركي (أقل كلفة بخمس مرأت مما دفعناه لشراء خط الخليوي عند التأسيس في التسعينيات).

3- يكون لدينا بذلك عشرين مليون سهم.

4- يُحدّد عدد الأسهم التي يمكن شراؤها من الراغبين في أن يكونوا مساهمين بمائة سهم كحد أقصى لكل مساهم، وسهماً واحداً كحد أدنى.

5- في حال كان المعدل الوسطي لعدد الأسهم التي يشتريها الفرد الواحد أربعين سهماً، يكفي أن يشارك خمسمائة ألف مساهم لتمويل المشروع.

(500000 × 40× 100 = 2000000000 )

حتى إن أرادت الدولة دفع ثمن الأسهم نقدا (وذلك مستحسن نظراً للحاجة) وليس من الحسابات المتراكمة في المصارف، فاللبنانيون (في الداخل وبلاد الانتشار) على استعداد للشراكة لأنّهم يريدون وطناً بكل مقومات الحياة، ويريدون إنهاء الهدر. كما أنّ المشروع سيؤفر للمساهمين مداخيلاً على مدى عشرين سنة. ويكونون شركاء معنويا وماديا، وشراكتهم تساهم في حماية أرباح الكهرباء من الذهاب إلى الخارج. دراسة الجدوى ستؤكد سلامة طرحي. والمشروع مرن في التفاصيل، ويمكن للقوانين التي ستشرّع له أن تحفّز على الإقبال عليه. المهم عدم التأخر في المبادرة. طرحت معامل الكهرباء كنموذج لخطة كل مواطن شريك في التنمية والاقتصاد. وهي نموذج يمكننا اعتماده في مجالات النفط، والغاز، والمياه، ومسألة النفايات، إلخ... فنكون أمام شراكات (وليس بالضرورة شركة) مساهمة للمواطنين لبناء معامل الكهرباء وتوليدها، وعلى غرارها شراكة المواطنين المساهمين لتدوير النفايات واستثمارها، ألخ. سنكون بذلك أمام نظام "بي، أو، تي" داخلي. فيه المواطن مموّل ومستثمر لعشرين سنة، وتعود بعد ذلك الملكية كاملة إلى الدولة.

 

العميد البروفسور جان داود

 

 

Website Created & Hosted with Doteasy Web Hosting Canada