15 august 2020

بيروت الغاضبة نداء لتماسك وصفاء الجذور ومنع استغلال الانفجار الكبير

بكلام ما بَعد سياسي، كافر بالمُستغِلِّين، مؤمنٍ بحقّ الشعوب بالحياة، أدعو أهل الكرامة إلى حركة تماسك الجذور في صفاء إنساني. أدعو إلى صفاء وتماسك الجذور من أجل عالم متّحد ضد الفساد وضد الاستهتار، وضد التخاذل والإهمال، وضد التفتيت والاستغلال، وضد تشييئ وتسليع الإنسان، وضد استثمار المآسي لنفع وجشع. أدعو إلى وقفة كرامة مع أهل الحبّ والحياة، مع قلب بيروت، مع شاباتها وشبابها، هُم إرادة الحياة. جرح بيروت كبير كبير، هي ثكلى على شهدائها. جرح بيروت كبير كبير، هي غاضبة من أجل جرحاها. جرح بيروت كبير كبير، أكثر من ربع مليون تشرّدوا، هؤلاء من أبنائها، أبناء الحياة، بُناة الأحلام، ممانعيّ الموت ورافضيّ الاستسلام. الدمار والتمزّق نال من جسدها ولكن ليس من عنفوانها. ننحني للشهداء والجرحى، ننحني لنقبّل ترابك يا بيروت وما حمل الركام من دماء، ننحني لشجاعة سيدات ورجال الإطفاء والجنود والضباط في خط زنار النار الأول، ننحني للجرحى يحملون الجرحى الأكثر نزفاً إلى المستشفيات، ننحني للأطباء جرحى ويضمدون الجراح، ننحني للممرّضات يحملن حديثي الولادة ويخرجن بهم من بين الرّكام، ننحني لحكايات التضحية وقد شاهدنا منها المئات. ننحني لخوف وصلوات الأمهات. ننحني لشباب بادروا منذ اللحظة الأولى إلى المساعدة والبحث بين الأنقاض عن أحياء، لم يلجم حماسهم دخان ولا نار ولا مواد سامّة تتساقط من السماء. ننحني للقلوب الممزَّقة بصمت، ننحني لكل من فتح بيته جنوباً وشمالاً وجبلاً وبقاعاً وعاصمة لأهل بيروت. نعم، أمسينا على مدينة تهتز، تنفجر، تلفّها النار من أرض وسماء، وتبيت ليلها تُلملم الدماء منكوبة، لكنّها تبقى بيروت التي قاومت الحرب، قاومت الاحتلالات، قاومت الموت. أمّا الجرح الأكبر ففي كرامة المدينة. جرح المدينة كبير ليس فقط من دمار، إنّما من مآل، رابع أجمل مدينة للعيش في الستينيات (1968) تدفع ثمن الفساد، والفاسد مجرّد لقيط لا كرامة له. تدفع ثمن غياب الرّؤية والسفسطائية الغبيّة والنفاق والخبث. نعم، الدمار هائل، وبيروت تبدو ساحة حرب عصفت بها قوّة قنبلة نووية صغيرة بقوّة أربع درجات. لكنّها ستكون بخير. وهو الوقت الذي علينا أن نكون فيه من أجلها بأكمل شجاعتنا. الوقت للمبادرة لتبقى بيروت المدينة الثائرة. لتبقى مدينة الحب، مدينة القيامة، مدينة الحياة. أَخرجوا منها الفاسدين، فقط أَخرجوا منها الفاسدين. أبعدوا الفاسدين والمُستغِلِّين عن قرارها، وعن إعادة بنائها، وعن استغلالها، أتركوا المدينة لشاباتها وشبابها الأنقياء، أتركوا المدينة لمن يغسلها بدموع العين ويعطّرها بتنهدات الأسى والغضب المولود من حبّ أبديّ لها. أما إعادة البناء والمساعدات فاسمعوا جيدا: المساعدات السياسيّة نقمة مفخَّخة وهي مرفوضة من شعبها. المساعدات ذات طابع التعاضد والتضامن الإنساني الصّرف عمل حضاري. لذا ننادي إلى حركة تماسك الجذور الإنسانية بنقاء وشفافية، حركة تحمي الكرامات والوجود. ننادي إلى تماسك الإرادات الحيّة المؤمنة بالحياة وبالشراكة بين الشعوب. هو الوقت لصرخة حضارية تناهض العنف وتحمي السلام من تُجّار الأسلحة والحروب. هو الوقت لوقوف إلى جانب الفقراء والمُفقَرين والأنقياء الذين سُرِق فرحهم وحقّهم بالحياة الحرّة والكريمة. هو الوقت لحركة عابرة للحدود، عابرة للطوائف والمذاهب، وعابرة للثقافات. حركة عابرة للفوارق والاختلافات، عابرة للأنساق الحضارية والخلافات والمسافات.

مئات آلاف من أهل بيروت من دون مسكن، لتكن من أجلهم حركة مساعدات مباشرة بين الناس من دون عبور في المؤسّسات في تعاضد مباشر. من أجل شهداء بيروت (أكثر من مائة وسبعين شهيداً) وجرحى الانفجار الكبير في بيروت (أكثر من ستة آلاف)، نحن بحاجة ماسّة إلى ثورة لاعُنفيّة تستعيد الوطن من أيدي الإهمال والاستغلال واللامسؤولية . من أجل بيروت ولبنان نحن بحاجة مُلِحّة إلى ثورة ملتزمة بالقيم تقدّم الآخر الذي في حال وهن على سواه. لا تتركوا إنساناً مُستَفرَداً في ضيق. ومع التقدير للدور الإيجابي لكثير من الجمعيات المدنية التي تعمل ضمن منظومة القيم الإنسانية بشفافية ومن دون ارتهان، ومع التقدير لجمعيات غير مدنيّة لا تُميّز بين مواطن ومواطن وتسعى إلى خدمة كلّ آخر، لا يمكن أن نتجاهل أنّ هناك أنماط عمل في المساعدات تتسبّب، وإنْ من دون قصد، بتعزيز الانتماء الطائفي، والعرقي والحزبي، وتُعزّز التبعيّة لطائفة أو مذهب أو حتى عائلة من مذهب. كفى الإنسانيّة مستوصفات ذات بُعد وغايات مذهبية وطائفية واستتباعية، وكفى مدارس ذات غايات مذهبيّة وطائفيّة وتفتيتيّة، وكفى إذاعات وتلفزيونات وحركات كشفيّة طائفيّة ومذهبيّة، وكفى دراساتٍ واستطلاعاتِ رأي تخدم مصالح المتزعمين مِمّن نصّبوا أنفسهم حماة الأديان والقوميّات والإتنيات والطوائف والمذاهب. الأمر اليوم لعمل من خارج منظومة المُستغِلّين. لذا أنتم مدعوون إلى تماسك الجذور بنقاء ومرونة وانفتاح. على كلّ منا أن يبادر ضمن إمكاناته لدعمٍ وإنْ محدود لآخر بِعَوز وأقل ملاءة. علينا أن نبادر، وأن نترك فيض الالتزام الإنساني يُقوِّض حصون المادّيّة والأنانيّة والاستغلال والجشع المُدمّر والسياسة التي تُمارس محلّياً وعالميّا بأبشع صور الاستغلال. حركة تماسك الجذور مفتوحة في الزمان والمكان ويجب أن تبقى حركة إنسانية ما فوق السياسة والسياسات.

عمليّاً، أمام الانفجار الكارثي نقترح إقامة ثبت مرجعي رقمي على شبكة الإنترنت يُدوّن الأضرار والاحتياجات. تُعطى كلّ حالة رقماً مرجعيّاً. يُذكر اسم المتضرّر وعنوانه وطريقة التواصل معه. تُذكر طبيعة الحالة (مستشفى، مؤسسة، شقة سكنية، سيارة...). تُوثّق الأضرار بشفافية بما يسمح بمشاهدة مفتوحة للراغبين في مساعدة. يتمّ تخمين الأضرار ويُعلّن في خانة الحالة. مراقبة الأرقام لتأكيد الشفافية أيضا تكون مفتوحة. ويتمّ الدعم لكل حالة بشكل مباشر وشفّاف من الدّاعم إلى المُتضرِّر مباشرة، ويُعلن عن الحالة منتهية، أو غير مكتملة، إلى حين إنهائها (نناقش تفاصيل المُقترح مع الراغبين)

يجب أن تتكوّن حلقات عمل متماسكة استراتيجية التطلّع تُعزّز الإضاءة على الحالات. يمكن لبعض الجمعيّات المدنيّة المستقلّة التي لا تنتفع بأي شكل أن تُساهم في تسليط الضوء والمتابعة. الحركة نموذج دعم وتفاعل إنسانيّ، هي مفتوحة ومتروكة لمبادرات فردية وأو جماعية بعيدة عن الاضواء في العمل الفردي وشفّافة على مستوى المتلقي الذي لا يقبل أكثر من خسائره بما يسمح له باجتياز المرحلة. ومن القيم ومعايير المبادرات مبدأ أساس: 1- لا تدعم أبناء طائفتك وابن طائفة أخرى في عوز أو جوع. إبدأ بالآخرين قبل مساعدة أبناء طائفتك. وأبناء الطوائف الأخرى يدعمون أبناء طائفتك. لنقدّس التنوّع ونحمِهِ. 2- يجب ألا تتوخّى أيّ نفع مقابل الدعم، لا النفع المعنوي ولا الديني ولا التبشيري ولا أي نفع آخر. غير لائق بنا كبشر أن نقبل التقوقع في جمعيّات تساعد أهل الطائفة الواحدة والمذهب الواحد والحزب الواحد والجماعة الواحدة. حركة تماسك الجذور مفتوحة بين الداخل والخارج، وتذهب إلى عمل دعم استراتيجي، حيث قد تذهب عائلة ميسورة في مكان ما من العالم عائلة في لبنان (أو أي من المناطق الفقيرة في العالم لاحقاً). أيّ لبناني في الخارج وإن كان يدعم عائلته الصغيرة، يجب أن يجد نوعا من التوأمة المتواضعة مع عائلة في لبنان. ما يهمنا بشكل رئيس أن تكون التوأمة عابرة للطوائف والمذاهب واللون والإتنية بين عائلات من طوائف مختلفة في الداخل والخارج. لنؤسّس لثقافة دعم الأقل ملاءة عبر العالم، كُثُرٌ من غير اللبنانيين في أوروبا والعالم العربي وأوستراليا والأميركيتين وإفريقيا عرضوا المساعدة بصدق وإلحاح.

حركة تماسك الجذور وصفائها، حركة ضد-مادّيّة تضامنيّة تثري التنوّع والتضامن والالتزام بالتنوّع. هي دعوة إلى مبادرات لا تنتهي، تكون ذاتيّة الدافع، غيريّة الاهتمام. قبل أن تنام إبحث كيف يمكن أن تساعد بقليل من هو أقل ملاءة أو أكثر عوزاً.

أتركوا المنافقين من السياسيين في تقوقعهم، وتذاكيهم وباطنه غباء قاتل. أتركوهم في فشلهم. أتركوهم في تجاراتهم وفسادهم. أتركوهم في الاستعطاء على اسمكم واسم شعوب من قبلكم، أتركوهم يبيعون ويشترون في أسواق النخاسة، باعوا أو ينتهون إلى بيع أنفسهم. لقد انتهوا. الزمن الآتي ثورة القيم والتمرّد على العفن الأخلاقي. الثورة الآتية أنتم الشرفاء. حماية أهل بيروت في الحمرا، كما في الجميزة، في الخندق الغميق كما في مار مخايل، في المزرعة كما في برج حمود، في الكرنتينا كما في الأشرفية كما في كل زاوية مُتضرّرة واجب مقدّس، حماية الجميع حيث هم واجب مقدّس. واستغلال الانفجار جريمة. وإنْ صح الكلام على أن هناك تجّار يعرضون شراء الشقق المتضرّرة، فعلى المشرّع أن يُصدر اليوم قانوناً يعتبر أنّ كلّ عقد بيع عقارات حاصل في منطقة المأساة وبعد الرابع من آب 2020 عقد باطل لأنّه حاصل تحت ضغط المأساة. الشُّرفاء اليوم هم من يحمي الآخر كلّ آخر. الشرفاء اليوم هم من يُقدّموا الإنسان على السياسات النفعيّة ويرفضون الاستغلال.

محاكمة المستغِلّين حتمية آتية لأنّ المستَغِلّ فاسد بالقوّة. محاكمة الفاسدين والمهمِلين آتية لا محال وإن مؤجلة. يبدو أن ّ كلّ شيء في لبنان مؤجّل بما في ذلك محاكمة الفاسدين واستعادة المال المسلوب. لذا علينا أن نبادر منعا من رحيل أو موت تنبت على رماده أحلام المتربّصين. إن لا تتمّ محاكمة الفاسدين والمستغِلِّين واستعادة الأموال المسلوبة، فالأمر سيؤدي إلى ولادة حركة ثورية قانونية تلاحق المجرمين وورثتهم إلى حين استعادة المال المسلوب وإنْ استغرق الأمر ألف سنة. المسألة مسألة مبدئية وليست فقط مسألة تعويض شعب عن ضرر لحق به. أترك لكم التحليل والبناء عليه (محاكمة الفاسدين تحتاج قضاة ثائرين وملتزمين بالقوانين والعدالة، يشكِّلون رأس الحربة. الحركة الثورية هي الشابات والشباب والمتضررون من الشعب والأنقياء منه، الحركة الثوريّة هي المفكرون والأكاديميون والقضاة والإعلاميون والمربّون الأحرار ...). يجب ألا تمرّ مسألة الفساد ولا أي من شبيهاتها على مستوى العالم. هناك أمثولة يجب أن تُعطى. هناك في الصمود والتضامن والتماسك الإنساني حتى صفاء أمثولة وجب أن تكون. بيروت أم الشرائع، بيروت الدعوة إلى الحياة، بيروت الغاضبة هي اليوم نداء لحركة تماسك وصفاء الجذور. إلى أن نتمكّن من استعادة الوطن من المستغلِّين فلنبنِ نمط حياة وتماسك يُحضّر لولادة جديدة من إرادتنا ورحم الصّفاء الإنسانيّ.

العميد البروفسور جان داود

 

 

Website Created & Hosted with Doteasy Web Hosting Canada