28 آب 2020

أطنان من نيترات الأمونيوم والنووي النظيف في عمق الوطن:

أخرِجوا التربية من زواريب السياسة

أطنان من نيترات الأمونيوم غير المنظور والنووي المستور تهز التربية في لبنان بصمت ثقيل منذ أربعة عقود ونصف، وعدم الدراية أو اللاكتراث أو الإهمال يسود. لم ولن تسمعوا صوت الانفجار الكارثي الصامت. ولن يكون وقت لاعتذار، الضرر الحاصل في التربية بحجم الأضرار التي تسبّبت بها جريمة انفجار بيروت، ولا أبالغ. نيترات الأمونيوم والنووي المنظَّف في انفجار التربية الصامت كان دخول السياسة والسياسيين إلى التربية مدرسةً، جامعات، مناهج، مؤسّسات وخطط، ووزارة تربية نفسها. ولعلّ جريمة مرفأ بيروت في جزء منها مسؤوليّة فساد في التربية. إنّ إعادة إعمار بيروت أولوية أساسية من دون شك. وإعادة الحياة إلى الاقتصاد أولوية أساسية من دون شك أيضاً. ولكنّ أيّ عمل محاط بروح الفساد لن يعيد إلى بيروت ولا إلى لبنان روح بيروت ونقاء لبنان. والخلاص من الفساد، حتى السياسيّ منه، لن يكون إلا بالتربية. نعم التشريع النظيف  والالتزام بالقوانين مسار، لكنّ الحماية لا تكتمل إلا بزرع لقاح ضد الفساد عبر التربية بمكوّناتها ومساراتها. الأمر الذي يفرض وبإلحاح إبّان العمل على تأليف هذه الحكومة وكلّ حكومة وضع وزارة التربية بين أيدي خبير صاحب رؤية وتجربة يُخرِج الوزارة من الفساد السياسي فيُخرِج بذلك البلد من دوامة العنف الداخلي الصامت حيناً والمُدوّي حيناً آخر.

إخراج التربية من الفساد تأخّر. مؤمنين بدور التربية عمِلنا بصمت، لكنّ الأمر كان في بعضه كمن يضيء شمعة في مهب الإعصار. بعض المؤسسات التربوية (وفي الأغلب هي خاصّة) تحمي نفسها من فساد السياسة. بات علينا رفع الصوت عالياً عالياً، وهو الوقت وإن مُتأخِّراً لتحرير وزارة التربية من مصالح مُستغِلّي الطائفية والطوائف والسياسة في أدنى وأسوأ مقارباتها. دخلت السياسة تحت ألف ذريعة وذريعة إلى التربية وبذرَت الفساد، ودكّت معالم الدّولة. اللّصوص المتربّصون بلبنان ودولته وجدوا في لصوص السياسة خير عميل غير مُعلن، وربما غير مُدرِك، لخدمة طموحاتهم. تحوّلت السّياسة من خدمة المعرفة إلى تسييد الجهل، ومن خدمة الحرّية إلى قمع الحريات، ومن إحقاق العدالة إلى منع إحقاق الحقّ، ومن حماية المُلكيّة إلى اغتصاب للمُلكيات، ومن الحفاظ على الحقوق والقوانين إلى الاحتيال على القوانين و"قوننة" اغتصاب الثروات والحقوق والكرامات، ومن إقامة الحكومات الملتزمة بالدولة وبخدمة الشرعيّة إلى الحكومات الملتزمة بمصالح المزعومين أحزاباً وتيارات ومن يُهمَس بتسميتهم ملوك الطوائف والمليشيات. باتت شرعيّة كثير من الوزراء في الحكومات من أصوات التهويل والتهديد أو من هول سلاح مُسالم أو أبيض أو خفيّ لمصالح قوى داخليّة وخارجية، باتت الوظيفة العامة وظيفة لدى سيّدِ أمرٍ قام بتوظيف الموظّف. بات الكثير من وظائف الدولة مجرّد راتب والدولة وأعمالها في إهمال. بات أهل الكرامة من الموظفين والمواطنين في معاناة مع سرطان عامّ ينهش حياتهم وأحلامهم وحقوقهم ووجودهم. الهوية، والمعرفة، والثقافة، والجنس، والعرق، والدين، والمياه، والنفط، والثروات، والدواء، والسجون، والمرأة، والطفل، والشيخوخة، والبيئة، مُجرّد مفردات ومواضيع عامّة في خدمة مصالح خاصّة وإمساكٍ برقاب الشّعب ومقدّرات الوطن. ومن المأساة أنّ كثيراً من الأكاديميين والمحلّلين يدرك المشكلة، ويسقط في فخّ عصبيّة ما، يرى المشكلة ويوصّفها بشكل ممتاز إنْ تكلّم على الآخرين ويسكت عنها لدى من تربطه بهم مصلحة أو رابط طائفي أو حزبيّ. عرف التّاجر المتحكّم عبر السّياسة كيف يُحكِم قبضته على مفاصل الدولة. أتى بأزلامه إلى السلطة بأكثر من طريقة. اشترى المدارس والمؤسسات، اشترى أو فتح الجامعات، اشترى بعض أو أكثر النقابات، اشترى بعض أو أكثر المستشفيات، احتكر الماء والكهرباء والمولدات، بذر ثقافة الفساد، وسادت المنافسة في فساد وإفساد. ونحن نقاوم بلحمنا الحي ومناعتنا اللامتناهية، ونعمِّق إيماننا بأنّ الوطن عائد لا محال: يكفي أن نحمل إلى طلابنا، أو إلى قسم منهم على الأقل، مفاهيم القيم والدولة وأن نؤسس لديهم لشرعة ومفاهيم حقوق الإنسان، والفاسدون إلى زوال. إلا أنّ الخراب كبُر وكثُر وساد. وأسوأ الخراب ما حلّ بالتربية.

 

إن شئنا إخراج البلد من خانة الفشل والتخلّف والهزيمة، فلنبادر وبأسرع ما يمكن مع تشكيل هذه الحكومة وكل حكومة. هناك حاجة إلى تغيير جذري في المقاربة وأساليب العمل وإعادة تأهيل المعلمين ووضع المناهج والكتب، وطرق التقييم، والرقابة المستدامة على جودة التعليم، والاستعداد العميق والمسؤول لمسألة التعليم عن مسافة والتعليم المُدمج مُستدركين المخاطر ومُعزّزين الإيجابيات، ومقاربة المباني التربوية من فضاءات وقاعات وملاعب ومختبرات وشروط صحية وتأمين المستلزمات والظروف التي تكفل الأمان النفسي والمعنوي والتربوي والبيئي، وإعادة النظر بملاءمة التجيهزات والمختبرات والملاعب، وبناء شراكة حقيقية بين المؤسسة التربوية والأهل وروباطهم، والانتقال بالتربية إلى تربية إبداعية تنمّي الفرادة والجهوزية البحثية وتبني الشخصية العلمية وتُعزّز القيم، والمرونة، وتنتقل بالمتعلّم إلى باحث... (لن أطيل في وضع النقاط على الحروف).

بأيّ حال، في استراتيجية العمل الإنقاذي والثوري من داخل السلطة (إنْ هناك نوايا) وخارجها، يجب أن تكون مبادرات من الأنقياء.  وإن اضطررنا فلنذهب إلى عمل من خارج المؤسسات الفاسدة باستقلالية ولا تبعيّة. الثورة الحقيقية وقفة ضمير وإرادة ومعرفة ومشروع. الثورة الحقيقية وأمّ الثورات والإصلاح هي المعلّمات والمعلمون، أَخرِجوا الفساد السياسي من قنوات ومسار التربية، أَدخلوا التربية بنبلها إلى حيث أنتم. النهوض الحقيقي على أمدٍ متوسط يبدأ بالتربية وبإخراج وزارة التربية من أيدي السياسيين. أعيدوا خدمة العلم إلى المدرسة في الصفوف الثانوية على غرار الستينيات. أعيدوا حركة كشفيّة واحدة في المدارس بعهدة الجيش إلى كل لبنان. أَخرجوا التربية من زواريب الطوائف والمصالح والروتين الإداري والاستنقاع في أساليب تخطاها الزمن. لم يعُد مجدياً الإتيان بوزير لتسيير الأمور بحدّها الوظيفي الأدنى. ولن يُجدي الإتيان بوزير للسُّلطة من أجل السّلطة وللتغريد الجذاب أو المُنفّر. لننتزع وزارة التربية من لعبة المصالح فنرسم بها خارطة النهوض ونبذر بذور الوطن العائد إلى دوره في الداخل والخارج. استعادة الوطن تبدأ من وزارة التربية بوزير اختصاصي، صاحب رؤية تربوية، عابر للطوائف والثقافات والأحزاب وغير مرتهن إلا لضميره والمشروع الإنساني، بناء الإنسان والوطن يبدأ بالمدرسة ووزارة طليعيّة للتربية.

 العميد البروفسور جان داود 

Website Created & Hosted with Doteasy Web Hosting Canada